الشيخ محمد رشيد رضا
201
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ان اليهود المجاورين لهم أهل كتاب اسمه التوراة ولهم رسول اسمه موسى وأنهم أهل علم وشريعة وكان بعض عقلائهم يتمنى لو يؤتى العرب مثلما أوتي اليهود ويقولون إنه لو جاءهم كتاب مثل كتابهم لكانوا أهدى منهم وأعظم انتفاعا لما يعتقدون من امتيازهم عليهم بالذكاء والعقل وعلو الهمة ولكن اختلف المفسرون في بدء هذه الآية بثم التي تدل على تأخر ما عطف بها عما عطف عليه . فذهب ابن جرير إلى أن هذا عطف على ( قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ) بحذف « قل » والتقدير : قل أيها الرسول لهؤلاء الناس تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ووصاكم به وهو كذا وكذا - ثم قل لهم وأعلمهم أننا آتينا موسى الكتاب الخ وذهب الزمخشري إلى أنه عطف على وصاكم بطريق الالتفات بناء على أن هذه الوصايا قديمة وصى اللّه بها جميع الأمم على ألسنة أنبيائها ، والتقدير « ذلكم وصاكم به » على ألسنة الرسل « ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ » وهو أبعد في نظم الكلام مما قبله ويمكن إيضاحه بأن موسى أعطي الكتاب - بعد الوصايا العشر التي بمعنى هذه الوصايا - فيه تفصيل أحكام العبادات والمعاملات الشرعية كما أن أحكام الآن التفصيلية تجيء بعد هذه الوصايا في السور المدنية - وحكى الحافظ ابن كثير رأي الإمام ابن جرير وتعقبه بأن فيه نظرا وقال : ان « ثُمَّ » ههنا انما هي لعطف الخبر بعد الخبر لا للترتيب كما قال الشاعر قل لمن ساد ثم ساد أبوه * ثم قد ساد قبل ذلك جده وههنا لما أخبر اللّه سبحانه عن الآن بقوله ( وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ ) عطف بمدح التوراة ، وكثيرا ما ين سبحانه بين الكتابين كقوله ( وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً ، وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِساناً عَرَبِيًّا ) وقوله أول هذه السورة « 1 » ( قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ ) وبعدها ( وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ ) الآية اه المراد منه وقد أورد شواهد أخرى من الآيات في هذه المقارنة فهذا أحسن ما قيل في هذا العطف وكونه « بثم » لخصناه بأب تصوير وقد نقل المفسرون الذين جاؤوا بعد هؤلاء أقوالهم بتصرف ، جعلها في غاية التكلف ، كما نقل ابن كثير قول ابن جرير بايجاز مخل لا يتبين به مراده وقال إن فيه نظرا
--> ( 1 ) الصواب ان الآيتين المشار اليهما في وسط السورة